صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

52

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

الذي يعكس أهداف المجتمع ، ومصادر تكوينه وطبيعة بنائه . والمجتمع الإسلامي له أخلاقه التي تضبط وتحدد السلوك ، بمعنى أن له بناءه المعيارى ، الذي نبع في الأساس من المصدرين الأساسيين : القرآن والسنة المطهرة ، فالقرآن بما أتى به من مكارم الأخلاق التي تجسدت في شخص الرسول الكريم وترجمت في أقواله وأفعاله هي المصدر الأساسي المعتمد للقيم في المجتمع الإسلامي . إلا أن هذا المجتمع يعيش - في الأزمنة المعاصرة - مشكلات متراكمة مستعصية ، أبرزها تردده بين قطبين ، فهو ينجذب نحو حياة معاصرة بما فيها من إنجازات مادية وفكرية لابد أن يتعايش معها ويفهمها ويعيها من ناحية ، وتشده ذات متأصلة أصيلة لا يمكنه الفكاك منها من ناحية أخرى ، وقد سحبت هذه الإشكالية - بالذات - ظلالها على كافة مكونات حياة الإنسان المسلم المعاصر ، بما في ذلك عماد حياته وهو القيم الخلقية ، حتى غدت الشغل الشاغل للمفكرين المسلمين ، وكما عبر عن ذلك أحد مفكريها بقوله : « ولعل أكبر قضية تواجهنا هي انقطاع صلتنا بمصادرنا الحضارية التي نستمد منها كل عاداتنا وتقاليدنا ، ومسلكنا الخاص والعام ، فعلاقتنا بتراثنا علاقة تقليد سالب يتوارثه الخلف عن السلف ، ولذا جمدت شخصيتنا ، وجمد النظر إلى تراثنا الذي هو بمثابة السياج لتحركنا الفردى والجماعي ، لأننا نتدراسه ولا نتأمله ولا نجيل فيه النظر ، ولا نجرى فيه من التحوير والتطوير بما يتلاءم وتغير الأحوال والظروف ، فظلّ حبيس الكتب في معظم الأحوال ، وحبيس الذاكرة في بعضها لقرون طويلة » « 1 » . إن الغزوة الاستعمارية أبدلت المثقفين ثقافة بثقافة ، ولهذا ظل تراثنا بعيدا عن الحياة الفاعلة ، وانقطعت عقول المفكرين عن التعامل معه وإخصابه بالتأمل والاجتهاد والتلاقح بتيارات الفكر المعاصر ، وبالتالي فقدت كل المؤسسات الاجتماعية المنبثقة عنه حيويتها وانفعالها ، وفعاليتها ، وجفت صلتها بالحياة ، ومن ثم أهملت لتحل محلها مؤسسات وأفكار أخرى كان من نتيجتها ازدواجية في الحياة وفي الفكر انعكست آثارها على حياة المجتمع والأفراد » « 2 » . إن أبعاد هذه الإشكالية وآثارها واسعة عريضة ، وفي مجال الأخلاق على وجه الخصوص ، ولذا فإنه من الملح الآن وللمستقبل القريب والبعيد ، وبعد معايشة التجارب ، تلمس بناء تربويا يستند على أهداف قوية وصحيحة وسليمة ، تستلهم قيم الأمة ، القائمة على أصالة حقيقية تمتلك من مقومات الذات الأصيلة روحها في غير انغلاق أو حرمان من إمكانيات العصر ومقوماته وثماره ، ولا بد من إعادة القيم الخلقية الإسلامية إلى مكانها الصحيح ، في إطار التكامل بين الدين والدنيا ، لتحقيق الوسطية التي هي حقيقة الإسلام ، لأنه إذا انفصل الدين

--> ( 1 ) عون الشريف قاسم : الإسلام والثورة الحضارية ، بيروت ، دار القلم ، 1400 ه / 1980 م ، ص 26 ( بتصرف ) . ( 2 ) المرجع السابق : ص 27 .